عربي
الرئيسية Home سيرة ذاتية مقالات يوميات الحرب تاريخ اللون

موقع الفنان ساطع هاشم

الصفحة العربية


Satta Hashem

اللون الاخضر والاسود وشجرة ادم في البصرة

ساطع هاشم

في سنة 612 قبل الميلاد قام التحالف الميدي (الفارسي) – البابلي بالهجوم على الامبراطورية الاشورية وتدمير عاصمتها نينوى وازاحتها من التاريخ نهائيا , وبحدود سنة 587 قبل الميلاد هاجم نبوخذنصر اورشليم ودمرها ونفى زعمائها الدينيون اليهود الى بابل , فيما يعرف بالتاريخ باسم السبي البابلي , وفي سنة 539 قام الميديون (الفرس)  بالقضاء على الامبراطورية البابلية , واصبح العراق ومنذ ذلك الحين والى الان تحت سلطة الاحتلال والغزاة الاجانب من كل جانب. وقد تناقص عدد سكانه الاصليين مع مرور الزمن ولم يبقى منهم الا مايعرف حاليا باسم السريان والكلدان بالشمال والصابئة وعرب الاهوار في الجنوب , وحتى هؤلاء فقد تم القضاء عليهم بشكل تدريجي ولم يبقى منهم الا اعدادا قليلة , اما عقائد ومعتقدات قدماء العراقيين فقد ظلت راسخة , وتأقلم معها او تبناها وانتحلها جميع الغزاة مع شئ من التحوير كل بطريقته. ومنذ ذلك السبي بدأت حرب اليهودية الاعلامية والدينية (الفكرية ) ضد ديانات العراق القديم ورموزها وتشويه سمعتها , فتحول برج بابل في المعتقدات اليهودية ثم المسيحية الى رمز للخطايا والذنوب والانحلال الاخلاقي , وبابل مدينة الشرور والذنوب والرذائل , (تحاول الجهات الاكاديمية والعلمية في الغرب حاليا ومنذ 2003 ومااصاب العراق واثاره من اضرار , اعادة الاعتبار والسمعة الحسنة الى بابل وتاريخها , فقد اقيم في لندن معرض مهم لهذا الغرض نظمته ثلاثة دول هي بريطانيا فرنسا والمانيا للفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2008 وحتى اواخر اذار 2009 بعنوان – بابل الاسطورة والواقع - وانتقل الى عدة دول اوربية) .

ومنذ السبي البابلي صار اللون الاسود الذي قدسه العراقيون كرمز لديارهم ولامهم العليا عشتار , ورحمها وارضها , والذي كانت له الهة خاصة به في بابل تسمى ملكة الليل , لونا ملعونا مرتبطا بالاعداء واللؤماء ,واصبح هو ومعه كل الكائنات السوداء والطيور والحيوانات الليلية التي قدستها بابل , كائنات منبوذة ورمزا للشيطان في الديانات الابراهمية او التوحيدية الثلاث اليهودية والنصرانية والاسلام فيما بعد .

ربما لا يوجد مجتمع زراعي / فلاحي واحد بالتاريخ البشري لم يعرف الدين ولم تكن له ديانة ما , لان الدين هو من مبتكرات الثورة الزراعية قبل سبعة الاف سنة , وميزة فكرية عالمية ملازمة لتفكير الفلاحين ومجتمعاتهم الزراعية اينما وجدوا . ومعظم الانتاج العالمي للفن وحتى بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر , وظهور طبقات العمال والصناعيين والتجار والرأسماليين والعلماء والمفكرين وغيرهم , انما هو فن مجتمعات زراعية فلاحية وبشكل عام ديني او مستوحى من افكار دينية , وغالبية ماموجود من كنوز فنية في متاحف العالم الخاصة منها او العامة تم انتاجه بالدرجة الاولى لاسباب واهداف دينية تتطابق مع الحاجات الفكرية والروحية للمجتمعات الزراعية , والبقية التي انتجت لغايات دنيوية فهي تحمل على الاغلب بهذا الشكل اوذاك مضمونا ورمزا دينيا ما .

اقدم دين معروف بالعالم بمعناه المألوف لدينا , كان في اواخر العصر الحجري الحديث(حوالي 3500-4500 سنة قبل الميلاد) , وشائت الصدف والضرورات ان يولد في جنوب العراق قلب الثورة الزراعية ومهدها , قبل بداية التدوين واختراع العجلة ودخول الانسان العصور التاريخية بقليل , واطلق عليه الاثاريون اسم عقيدة تموز-انّين او تموز-عشتار وهو امتداد لعبادة الام التي ترجع اصولها الى العصر الحجري القديم , وعبادة الام معتقد انتشر في مجتمعات مرحلة الصيد وارتبط بالسحر وطقوسه وساد في معتقدات غالبية الشعوب في العصر الحجري القديم والوسيط والحديث الى ان بدات قوافل الصيادين بالاستقرار حول الاراضي الزراعية وبناء القرى والمدن , وقد تحول الى دين في زمن السومريين له اصول وتعاليم وكهنة كما نألفها في اديان اليوم .

وانتشرت ديانة تموز الى بقية البلدان باشكال وتسميات جديدة مختلفة فكان انتشاره سببا في ظهور ديانات كبيرة معروفة بالعالم القديم , ومازالت رموزه القديمة الاولى تعيش الى الان بيننا وفي جميع الديانات تقريبا , حيث يرمز له بشكل رئيسي بشجرة وعلى جانبيها حيوانين اليفة (هناك رموز ثانوية عديدة اخرى) , فالشجرة تمثل الاله تموز وهو الذي يظهر ويورق ويختفي كل ستة اشهر مع دورة الفصول , فبظهوره تطعم حيوانات الربة انّين / عشتار وهي رمز الحياة الدنيوية على الارض رمز الخصب والعطاء , اما تموز فهو رب السماء الذي يختفي بعد موسم الحصاد ليحارب شياطين العالم السفلي , ثم يعود مع الربيع الى عشتار حاملا لها ولحيواناتها وارضها الزرع والشجر والعشب والخير . وكان هذا الرمز يستعمل في تلك العصور الغابرة في العراق القديم بكثرة , وربما مثلما يستعمل النصارى بالعالم الصليب في عقائدهم , وقد حوّر هذا الرمز مع مرور الزمن في طريقة رسمه او نحته , ليتلائم مع العقائد والاديان الاخرى التي خلفته , حيث يعتبر قيمة عالية مقدسة في الرمزية الدينية كما تجسدت بالفنون القديمة .

وقد ارتبطت بهذه الديانة طقوس عبادة ( بشعة ) كان يذهب ضحيتها العشرات كل عام , عندما يودعون تموز , (قد تشبه في بشاعتها وقسوتها طقوس العراقيين الحالية في عاشوراء) , فقد اعتقد قدماء العراقيون بالخلود وانه لاموت يستطيع اكتساحهم , وتدور معظم طقوس تلك العبادة على هذه الفكرة , فكانوا يودعون تموز (الاله) كل عام عند انتهاء موسم الحصاد , مجسدا شخصية تموز الوهمية / الخالدة ملكهم او زعيمهم الديني , فيقود جيشا من البشر المنتخبين والمختارين كل عام , الى قبور واسعة معدة لهذا الغرض , مع حيواناتهم وعرباتهم وكل مايحتاجه الجيش في حالة الحرب وهم احياء , لان ربهم الخالد هذا (تموز بهيئة ملكهم) سيذهب في رحلة مقدسة لمحاربة شرور العالم السفلي وشياطينه (جهنم في المعتقدات القديمة تقع في العالم السفلي البارد والمظلم والموحش , وليس في النار المصطلية كما في الديانات الابراهيمية الثلاث فهذا مفهوم جديد قالت به هذه الديانات لان النار كانت مقدسة في بابل وعموم الديانات الاخرى التي اصطدمت بها الديانات الابراهيمية وحاربتها – فلايجوز تدنيسها بالكفار والشياطين ) , وعند انتهاء مهمته سيعود مرة اخرى في العام القادم , حاملا لعشتار  وحيواناتها واشجارها الخير والزرع والبركة , وتجسد شخصية عشتار امام الناس زوجة هذا الملك او الزعيم الديني , وبعدما يدخل هذا الجيش تلك المقابر المغطاة بالسقوف يتم غلق كل المنافذ والابواب التي دخلوا منها ويهال عليهم التراب  في طقوس من الموسيقى والنذور والادعية والصلوات وربما من النحيب والبكاء واللطميات , لانهم يعرفون بان هذا الجيش لن يعود ابدا كما يخدعهم الكهنة , وانما سيبقى هناك في حالة حرب وربما سيموت كله في صراعه مع شرور العالم , وكانوا على حق طبعا لان اي احد لم يعد ابدا ماعدا هذا الملك او الكاهن الاكبر او المرجع الاعلى الذي يمثل شخصية تموز , فتلك القبور المليئة بجثث البشر والحيوانات والتي عثر عليها الاثاريون في مدينة اور بالناصرية في جنوب العراق والتي احتوت على اثار نفيسة منها القيثارة السومرية الشهيرة , كانت ذات فتحات سرية في بعض غرفها , صنعت خصيصا لتهريب هذا الملك او المرجع منها بعد يوم او يومين من انتهاء طقوس الدفن , واخفائه بعيدا عن الناس لمدة ستة اشهر او الى حين بداية موسم الزراعة القادم , فيظهر مرة اخرى مع بداية الموسم الجديد امام البشر وكأنه انجز مهمة القضاء على الاعداء , وقد عاد الان حاملا الخير لعشتار واهلها وارضها من جديد , فيستقبل في طقوس احتفالية مليئة بالرقص والغناء والافراح , والصلوات الخاصة بالعيد للاعلان عن بداية السنة الجديدة او مانسميه نحن الان برأس السنة , اما بقية الخلق الذي رافقه في رحلته الحربية فيقول عنهم ربما مثل مايقال الان عن الانتحاريين , بانهم قد اصبحوا من الخالدين هناك في مكان ما , وتحت سماء ما , ولنذكر لهم بطولاتهم وامجادهم والى رحمة الله الواسعة .  

وكردة فعل ضد تلك الطقوس وهذه العبادة (الدموية ) وزعمائها وكهنتها ورموزها وما رافقها من فساد ودجل وانحلال اخلاقي وانهيار اقتصادي , ثار الناس وتمرد الخلق في اكبر ثورة وحركة اصلاح ديني في العالم القديم , تجسدت قيمها الجديدة وفلسفتها ومحتواها في ملحمة كلكامش , اروع قطعة ادبية وفنية واول انجاز فكري واسع للانسان بالتاريخ , حيث قال الملك الثائر والمصلح كلكامش كلمته الشهيرة بأن : لاخلود في العالم الا للالهة وحدها , وان كل مايمكن للبشر القيام به هو التعبد وطلب الرحمة والمغفرة والمساعدة على تحمل اعباء الحياة . ويقول الدكتور ارفنغ فنكل من المتحف البريطاني في لندن والمختص العالمي المشهور في قراءة الخط المسماري (يكتب ويقرأ بالمسماري كما نقرأ نحن بلغتنا الاعتيادية) بأن كلكامش هو ملك وشخصية حقيقية وليس اسطورية كما هو شائع , لكنه اصبح هكذا لان تدوين الملحمة قد تم بعد وفاته بعدة قرون فاصبحت اساطير كما نقلها الرواة .

ومنذ تلك الثورة انتهت عبادة الام , وهزم كهنتها ورجالها , وتعرضوا للاضطهاد والتنكيل والتشريد , وانتهت عادة دفن الاحياء بالمقابر , وانتهى عمليا عصر السومريين ذلك الشعب المبدع الذي علم البشرية مالاتعلم , والعصور الحجرية عامة لمنطقتنا , وحُملّت عشتار الذنوب , وفقدت المرأة الاحترام , , وصارت عبادة تمارسها اقلية وعلى الارجح بطرق باطنية سرية , لكنها ظلت موجودة بعدة اشكال وصور علنية بحكم العادة والتقاليد التي ترسخت خلال الف عام , بعدما ازيح تموز وعشتار وشجرتهما عن عرش الالوهية الى مراتب دنيا في الترتيب الهرمي للالهة , ليفسحا المجال لالهة الشمس والقمر باعتلائه .وبدأ الناس بتسييج اماكن العبادة واحاطتها بالاسوار والحيطان العالية , وعزلها عن الاماكن الدنيوية بعدما كانت جزءا منها , للدلالة على خلود الالهة  وتميزها عن البشر واختلافها عنهم , وبان مكانهم يجب ان يكون متميزا ومحاطا بالجلال والتقديس وللعبادة وتقديم النذور. واقدم دليل على هذا التحول في النظرة الى الاله وفي طقوس العبادة هو ماعثر عليه الاثاريون في منطقة خفاجي في محافظة ديالى واطلقوا عليه اسم المعبد البيضوي ذو السياج (انتشرت عادة تسييج المباني الدينية بعد ذلك في كل انحاء العالم) . ثم ولدت بعد ذلك ديانة جديدة على انقاض القديمة سميت في علم الاثار بديانة اكد , ومن اشهر ملوكها سرجون الاكدي (تمثاله الاسود من اغلى مقتنيات المتحف العراقي واروعها صنعة) ولاحقا كوديا العظيم ملك سلالة لكش (صاحب التماثيل السوداء والموجودة حاليا في متحف اللوفر في باريس ) . وكف العراقيون على الانتحار فداءا لربهم والموت المجاني بسببه , واكتفوا بطقوس المواكب والمسيرات الرمزية والغناء والعويل والنحيب واللطميات وتقديم النذور الباذخة لعودة الغائب تموز التي رسختها تلك العبادة , ومازالوا هكذا حتى يومنا هذا في علاقة مرضية غريبة عجيبة بالمواكب واللطميات وبالغيب والاخرة وعودة الغائب , اخذتها منهم كل حضارات العالم القديم تقريبا فيما بعد.

ويبدو ان اللون الاسود والاخضر قد لعبا دورا حاسما في رموز العقائد الدينية لقدماء العراقيين اكثر من اية الوان اخرى نعرفها عنهم , فكانا كلاهما من الالوان المقدسة التي اثرت رمزيتهما في ترسيخ تلك العقائد في ادمغة الناس , فالاسود هو لون يرمز للرحم الانثوي في زمن عبادة الام عند معظم الشعوب , لون الكهوف التي يختلي بها القديسين , لون العالم السفلي والموت , ومنذ العصر الحجري الحديث وبداية العصور التاريخية انتشرت عادة دفن الموتى مع تماثيل لهم مصنوعة من مواد سوداء او داكنة وارتبطت هذه الاحجار والتماثيل السوداء للراحلين مثل تماثيل كوديا ونرام سين وسرجون الاكدي ومسلة حمورابي لاحقا والاشياء ذات الالوان الداكنة بطقوس ومراسيم الدفن والمواكب المقدسة , وقد سادت هذه العادة عموم مناطق الشرق الاوسط ومصر الفرعونية بعدها , كعلامة على الانبعاث من جديد والخلود , وليس كلون شيطاني او ملعون كما عرفته الديانات الابراهيمية الثلاث , بل بالعكس فهو للموتى لضمان طريقهم نحو الخلود , وهو لون الارض الخصبة والغيوم الممطرة والخصب كسمة للارض الطيبة يعني لون عشتار وارضها (ارض السواد – ارض العراق) , ولهذا السبب الايماني والعقائدي فقد استورد القدماء في جنوب العراق ذات الطبيعة الطينية الهشة , الاحجار والمواد الصلبة السوداء او ذات الالوان الداكنة من مناطق خارج بيئتهم وبعيدة نسبيا , وقد ساعدهم ذلك على تطوير التجارة وصناعة النسيج والفخار وهندسة الطرق وغيرها , حيث الحاجات الاجتماعية والرمزية الدينية هنا قد سبقت التكنلوجيا وخلقت ظروفا ملائمة للاختراع والابتكار وتطوير الاقتصاد .

ولدينا قناعة تامة بأن شجرة تموز هذه كانت تطلى باللون الاخضر او الازرق الاخضر على خلفية سوداء او داكنة (وربما حمراء لان لون الارض يرمز له احيانا بلون الطين الذي استخرج منه) , وقد تزامن ذلك مع بداية استعمال الاصباغ الزرقاء , فنحن نعلم بأن اول استعمال بالتاريخ للون الازرق في التصبيغ كان في سومر , واستخرج من المواد الخام التي كانت تستورد من مناجم اللازورد والياقوت والازوريت في افغانستان , وصناعة الاصباغ الزرقاء تحديدا بحاجة الى معرفة بالمواد الكيميائية وطرق التعامل معها بحرفية وذكاء ومهارة , على عكس تصنيع الاحمر والاسود وبقية الالوان الموجودة بكثرة في القشرة الارضية حول العالم , ولم تتوفر هذه القدرات عند الانسان الا بعد استقراره بالمدن وبداية الحضارة , فكان تصنيعه ثورة تكنلوجية حقيقية اعطت دفعة لكل الحرف كالبناء وتزيين المعابد والقصور ومهن الصياغة وصناعة الحلي والازياء وغيرها . ويمكن من خلال عملية تحويل هذه المواد الخام , صناعة الصبغة الزرقاء واصباغ خضراء بدرجات لونية متباينة وكذلك اصباغ سوداء جميلة ايضا , وقد رافق ذلك صناعة النسيج , وربما كان استيراد وتصنيع تلك المواد بسبب التطور في صناعة النسيج اصلا وزيادة الطلب عليها , حيث ان اول منول للغزل واول دليل على تحولها الى صناعة ومهنة مستقلة وجدت في سومر , وتتميز الاصباغ المصنوعة من تلك المواد المستوردة بالثبات ومقاومة التغيير عند الغسل او التعرض للضوء وحرارة الشمس , بالمقارنة مع الاصباغ المستخرجة من المواد النباتية اوالحيوانية , بالاضافة الى كونها اجمل كثيرا جدا من اية مواد اخرى , ومن المؤسف عدم وجود انسجة او اقمشة او سجاد باقي من تلك الازمنة , بل ان المتبقي هو وسائل العمل وانتاج النسيج فقط .

وبسبب هذه العبادة (تموز – عشتار ) وطقوسها اصبح الاخضر والاسود مع مرور الزمن من الالوان المقدسة في الديانات الشرقية عموما , فاصبح الاسود لون منزل عشتار وارضها وازيائها رمز الخلود (الموت /المقابر) لونا مفضلا لتلك الاديان . واذا كانت (نظرية) بعض المؤرخين القائلة بأن قبائل قريش هم بالاصل عراقيون قد هاجروا الى الجزيرة العربية , فهذا قد يفسر لنا سبب اكساء الكعبة بالاسود وسبب تقديس الحجر الاسود والاحتفاظ به الى الان , فلا بد ان هؤلاء المهاجرين كانوا من الكهنة واصحاب السلطان الذين تعرضوا للاضطهاد والتشريد خلال حركة الاصلاح الديني والثورة عليهم وعلى عبادة تموز – عشتار , وقد واصلوا تلك العبادة بالمهاجر باشكال مختلفة مع الاحتفاظ بجوهر العقيدة ورموزها .

اما الاخضر فقد اصبح فيما بعد مرتبطا بعقيدة الخضر الموجودة في المعتقدات الشعبية العراقية والممتدة الى بقية الديانات . فهو اللون المفضل عند المسلمين او الذي يشتهرون به بالعالم (في فترة الحروب الصليبة كانت بعض رسوم وجداريات المسيحيين في اوربا تصور الشيطان باللون الاخضر على عكس العادة والتقليد في تصويره بالالوان الداكنة او السوداء) , واصبحت شجرة تموز (رب العراقيين الاول) رمزا للجنة الموعودة في الاعمال التزينية بالجوامع ودور العبادة الاسلامية , وقد ذكر اللون الاخضر بالقران ثمانية مرات وكلها بصفات ايجابية واللون المفضل الاخر عندهم هو الابيض وقد ذكر احدى عشر مرة وجميعها ايجابية ايضا لانه لون النور السماوي (نفس المعنى في اليهودية والنصرانية)  , واللون الملعون بالاسلام هو الاسود وقد ذكر سبع مرات ولم يذكر الا باقرانه بالكفار وبمن تسود وجوههم يوم القيامة , وهذا مفهوم اخذته الديانة النصرانية والاسلام عن اليهودية التي كانت الد اعداء بابل وقدماء العراقيين بسبب السبي البابلي لهم كما اسلفنا , (ومع هذا فقد استمر المسلمون  بتقديس الحجر الاسود , وتغطية الكعبة بالاسود) .  وقد ذكر الاصفر اربعة مرات بصفات متعددة , والاحمر مرة واحدة ومثله الازرق , وهذه هي اسماء الالوان المذكورة بالقران , والاسماء الخمسة الاساسية الاخرى في لغتنا دخلت الى العربية حديثا , وهي البنفسجي والبرتقالي والوردي والقهوائي والرمادي , وجميع الاسماء الاخرى هي اشتققات وتنويعات لهذه الالوان الاحدى عشر (لايوجد غيرها في كل لغات العالم وفقا لنظريات علم اللغات المعاصر) , كما في قولنا ماوي او سمائي وهو ازرق .

ويتكرر وجود شجرة الاله تموز (الخضراء) كثيرا على طول فترة الفن العراقي برمته وبكل مراحله المختلفة , والممتدة من السومريين وحتى زماننا الحالي , بمعاني واشكال رمزية مختلفة بوعي او بدون وعي , (اعتبرها انطوان مورتكارت العلاّمة الالماني باثار الفن العراقي القديم بانها اقدم رمز للسلام بالعالم) , وهي موجودة بالواقع ايضا , ففي ربيع سنة 1978 وقبل مغادرتي العراق بستة اشهر , زرت مدينة البصرة , وذهبت الى مكان به شجرة يقول اهالي البصرة عنها انها شجرة ادم وانها اقدم شجرة بالعراق , وكانت محاطة بسياج وعناية خاصة , ولا ادري ان كانت لاتزال هناك ام لا , وربما وجدت امثالها في العديد من مدن العراق القديمة للتبرك بتموز/الخضر , وقبل ان تنسب الى ادام الذي اخترعته الديانة اليهودية بعد تموز بالاف السنين وسوقته على بقية الاديان نكاية ببابل ورموزها .

ويعيش اللون الاسود في ازيائنا وملابسنا وعاداتنا بالهندام بكثرة , وعباءة المرأة العراقية السوداء اشهر تلك الازياء , فهي ازياء الربة عشتار , ولازالت مرتبطة بالام وبتقديرنا وتعلقنا الخاص بامهاتنا في العراق . ورغم كراهية الاديان الكبيرة في العراق كالاسلام والنصرانية نظريا-كتابيا له , الا ان العادات والتقاليد العراقية الراسخة تعكس عدم اكتراثهم بتعاليم الواعظين والفقهاء ورموزهم الدينية وربطهم الاسود بالشياطين والابالسة , وهذا هو ايضا سبب تحويل هؤلاء الفقهاء وبخباثة كل تلك التقاليد والحاجات الوظيفية القديمة , الى تقاليد تخص افكارهم واديانهم رغم تعارضها الواضح معها باعتبارها ممارسات وثنية , والى اسلحة سياسية فتاكة في زماننا الحالي لتمرير معتقدات زمن السيف والمكوار على البشر في عصر الالكترون والاننترنيت , وصار الاسود تجارة رابحة تدر الملايين على اقلية من الدجالين والسفاحين ودعاة التفرقة العنصرية والطائفية , لغرض السيطرة والسطوة على عقول الملايين من الاميين والجهلة والفقراء , فالطقوس الدينية في عراق اليوم كمثال تدفع الناس بوعي او بدون وعي نحو التشاؤم واعادة انتاج الكابة والسوداوية بالحياة , فهي لاتمتص احزان الناس وهمومهم واوجاعهم كما يشاع عنها , بل تحرف البشر عن معالجة اسباب الماسي والمحن في احتفالات مقدسة يكسوها اللون الاسود واللطم والنحيب وتأنيب الذات , وازياء المتدينين وعمائمهم السوداء والخضراء (والبيضاء لاحقا) , وطقوسهم الدموية هذه , وتشبثهم بالماضي التليد , وتشويهه وتحريفه فهي استمرارا لاولئك الكهنة والملوك الطغاة الذين اسسوا تلك الاديان وتلك الحيل . ومن المؤكد ان تسمية العراق بارض السواد قديمة جدا , وتتعلق بوصف المعتقد والديانة ومشكلة الموت والميلاد والخلود التي يرمز لها باللون الاسود وتقديسه في العقائد القديمة , ولاعلاقة له بما قاله البدو من كثرة السواد بسبب ظلال الشجر في ارضه .

تقاليدا طقوسية كهذه كانت يوما ما وفي ازمنة غابرة جدا بالقدم مفيدة للبشر لحفظ النوع وساعدته على كفاحه مع الطبيعة وتوحيد الناس للعمل الجماعي وايجاد الحلول لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية تحت لواء التضرع للقوى العلوية التي اعتقد بوجودها , اما الان فهي تجارة مقززة تثير غرائز الدمار والفناء والسادية بعد ان تبدلت حياة الناس برمتها ولا يربطهم بالماضي القريب او البعيد الاذكريات اليمة يعملون جاهدين لنسيانها وتجنيب ابنائهم من السقوط فيها , وفي هذا الجو العسير يأتي المروجين والتجار والمنظرين المتدينين الاغبياء الى ايقاف عجلة التاريخ والزمن وقتل الابداع الانساني في مجالات العلوم والصنائع والاداب والفنون , والتي بدونها لن تحل اي مشكلة من مشاكل البؤساء العراقيين وهم بالملايين والمحرومين من العمل والانسجام مع المحيط العالمي الجديد . فما بناه السومريون عبر الف عام (فقط) من وجودهم جنوب العراق , مازال راسخا ويسري في حياتنا وحياة الشعوب والاقوام القريبة من بلادنا , وبارواحنا كشئ لايقهر , ومازلنا نراوح في مكاننا ونعيش في اواخر العصر الحجري ونستظل بشجرة تموز (ادم) وعقائدها المختلفة ولن يكف العراقيون عن هذه الطقوس والمواكب والعبادات المميتة , الا اذا تحركت عجلة التنمية وازدهرت المعارف الحقيقية في المجتمع , عندها لن نكون بحاجة الى الاوهام والخرافات والنذور لشق الطريق بالحياة وتلوين المستقبل بالوان  المعرفة والحكمة الزاهية , وحتى ذلك الحين , فلاصلة لعراق اليوم لا من قريب ولا من بعيد بالقرن الواحد والعشرين لاننا سائرون (بصاية) وقيادة رجال الدين اهل السواد قدما الى الوراء وليس لنا الا ان نقول :السلام لبلد السلام .

نشر المقال لاول مرة في 27- اكتوبر / تشرين الاول - 2010