عربي
الرئيسية Home سيرة ذاتية مقالات يوميات الحرب تاريخ اللون

موقع الفنان ساطع هاشم

الصفحة العربية


Satta Hashem


اللون الاسود والمعاني السود في العراق

ساطع هاشم

اطلق القدماء على العراق صفة – بلاد السواد- والتفسير الشائع لهذا الوصف هو ان هذه صفة اطلقها البدو وليست لها علاقة باللون الاسود نفسه بقدر مالها علاقة بالطبيعة الجغرافية للبلاد وغزارة ضلال الشجر وكثرة الخيرات , وتكاد ان تكون هذه هي الصفة االايجابية الحميدة الوحيدة التي يتمتع بها اللون الاسود بالعراق . وكل ماعداها فهو لون ملعون وسلبي , يرتبط اسمه باللؤماء والمرابين والاعداء , وبالحزن والكابة والماتم والتعازي واللطميات , وهموم الناس التي لاحسب ولانسب , ولابداية ولا نهاية لها .

والاسود هو نتاج لتلك الاجسام التي تمتص حوالي 96 بالمئة من اشعة الضوء وتعكس الباقي كسطوح ثلاثية الابعاد بلون اسود , ولولا هذه النسبة القليلة المنعكسة لما استطعنا رؤية تلك الاجسام في محيطنا , فامتصاص الضوء بالكامل يعني الظلام المطلق ولا شئ هناك يمكن للبصر من رؤيته , والثقوب السوداء التي يتردد الحديث عنها دائما هي تلك الاجسام التي تمتص الاشعة الضوئية بالكامل . والعكس يحدث في حالة اللون الابيض فهو ينعكس من الاجسام بنسبة 96 بالمئة ولهذا نرى الثلج ابيض واوراق الكتابة بيضاء وغيرها .

لم تكن لدى القدماء اسماء محددة لجميع الالوان التي تبدو امامهم بالواقع , فكان المجاز بالتوصيف امرا سائدا في جميع اللغات القديمة تقريبا ومنها العربية , فما كان يقال عنه اسود مثلا كان يقصد به الالوان الغامقة عموما كالازرق والاخضر الداكن , فيقال غيمة سوداء والمقصود هو رمادي/ازرق داكن وهكذا مع بقية الظواهر الاخرى , لكن هذا وحده تفسيرا غير مقنع لظاهرة اجتماعية عميقة الجذور في نفوس العراقيين , فاستنادا على الشواهد القديمة الباقية وتفسيراتها في علم الاثار فيبدو ان العراق قد سمي –ببلد السواد- اعتمادا على عقائد قديمة جدا ظلت محفورة في وعي الناس منذ العصر الحجري القديم , كانت تنظر الى الاسود بروح ايجابية مقدسة .

فاللون الاسود ورديفه الاحمر هما من اقدم الالوان الذان رافقا التجربة البصرية للانسانية منذ البداية , فقد عرف الاسود منذ اكتشاف النار , والاحمر من خلال لون الدم عند الحيوانات او البشر , وهذان اللونان بقيا يعيشان في الحضارات كلها كرموز فكرية فعالة , وكان من السهولة تصنيع واستخراج الاصباغ السوداء والحمراء من الطبيعة واستعمالهما في الطقوس والحياة العملية , وتبادل الاسود والاحمر الادوار منذ بداية العصر الحجري القديم قبل نصف مليون سنة و حتى عصورنا الميلادية كالوان ايجابية في رمزيتهما بشكل عام , فالاسود هو لون اديم الارض والعطاء والخصب واسرار العالم , لون الكهوف والمعتزلين والاماكن المظلمة تحت الارض , فهي اماكن كانت مقدسة حيث مورست بداخلها الطقوس السحرية , واصبحت اماكن ولد فيها القديسين والكهنة والابطال , فالاسود هنا هو لون الظلام الذي يسبق الميلاد , لون الرحم الانثوي في زمن عبادة الام , لون التعاسة والمخاض التي تسبق السعادة , واقيمت النصب والتماثيل والمزارات لالهة الليل والظلام المقدسة في غالبية الحضارات القديمة , فعند قدماء العراقيين كانت تسمى ملكة الليل وتماثيلها موجودة حاليا في المتحف البريطاني في لندن , وربما تماثيل كوديا المصنوعة من البازلت الاسود لها علاقة بهذه العقائد والالهة ايضا رغم اننا نعرف بان هذه التماثيل والنصب كانت تطلى بالاصباغ , او تلبس بازياء خاصة (كما الدمى البلاستيكية في محلات بيع الملابس في عصرنا الحالي) . وتسمية العراق ببلد السواد كما اسلفنا هو ايضا امتدادا لتسمية الهية اقدم اشتهرت  بها الهة السواد الخيرة  قديما , وليس فقط تسمية متعلقة بوصف اللون بالطبيعة كما راه البدو , وهذا موضوع بحاجة الى اثباتات اكثر تفصيلا من قبل خبراء الاثار وعلم الاجتماع .

اماعند المصريين فكانت الهة متنوعة ويرمز اليها بنهر اسود يمثل الطمي الذي يجلبه فيضان النيل , وكان غالبية الحكام الراحلين يرسمون بالاسود كدليل على انصهارهم باعماق الارض مصدر الخصوبة والحياة . اما عند اليونانين فاسمها نيكس ام اوانوس الهة السماء وام جايا الهة الارض , وكانت تقدم لها طقوس واضحية من ماعز وخراف  سوداء  .

وقد بقيت هذه المعاني الايجابية للون الاسود قائمة حتى ظهور الديانات التوحيدية او الابراهمية الثلاث – اليهودية /المسيحية / والاسلام – التي دمرت كل المعتقدات التي سبقتها وحولت رموزها الاساسية لصالحها , وربطت اللون الاسود بكل الصفات المنحطة للبشر في تعالميها , ولم يسلم من هذه الديانات اي مخلوق حيواني او نباتي اوبشري ذو لون اسود من الذم والتحقير وحتى القتل , وتجذّر هذا الاعتقاد والمعنى الرمزي السلبي للاسود خلال العصور الميلادية كلها في وعي الناس وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وانتاجهم الفكري والفني والفلسفي في كل الدول التي انتشرت بها هذه الديانات , ومازالت هكذا ولو بدرجة اقل بسبب دخول البشرية في المراحل الصناعية والتكنلوجية والعلمية الحديثة التي لاتنظر الى الطبيعة والعالم كما نظر اليها مجتمع الانسان الزراعي والفلاحي القديم . والصينيون واليابانيون لهم وجهة نظر دينية وثقافية مختلفة , هي اقرب الى معتقدات الناس والحضارات السابقة للميلاد .

غير ان هذا اللون حمل في دلالالته وتطبيقاته العملية الكثير من الالغاز والتناقضات البشرية الغامضة ايضا مثله مثل الاحمر الذي كان يعتبر نقيضا للاسود (بدل اللون الابيض الى ما حتى القرون الميلادية الاولى على الاقل) , فكيف لنا ان نفسر مثلا ارتداء القساوسة ملابس سوداء , اذا كان اللون الاسود في عقائدهم هو لون الشيطان ؟ واذا كان الاسود هو لون الوسواس الخناس , فكيف نفسر غطاء الكعبة الاسود وتقديس المسلمين للحجر الاسود ؟ او تمسك الشيعة المتدينين بالاسود في التعبير عن هويتهم وطائفتهم الدينية واجبارهم العراقيين على قبولها باستعمال القوة والمكر , منذ استيلائهم على المال والسلطة ؟ او فرض الحجاب الاسود على النساء من قبل الاسلام السياسي  عامة ؟

لايمكن طبعا تقديم الاجابات التفصيلة هنا لكل الاسئلة الاجتماعية المعقدة التي يتضمنها اللون الاسود , لكننا نعرف بان هذه التناقضات في السلوك , وهذه النظرة الرمزية المريضة لظاهرة اللون الاسود بالطبيعة , قد كرست عند العراقيين  طقوسا واشكالا من العبادات المفتعلة مقرونة دائما بتشويه السواد والمبالغة في تمجيد هذا التشويه , لغرض الاستمرار بالعيش بالظلام , وجلبت المصائب والاحزان والكابة والامراض النفسية واعتلال الامزجة وفقدان الثقة بالمستقبل وجدوى الحياة على مدى مئات من السنين , اما في وقتنا الحالي حيث نعيش في عالم يقيس تطوره بالفمتوثانية ( جزء من مليار من الثانية) فقد عززت التفرقة الطائفية والعنصرية وزادت الجهل والتخلف وعممت الامية في كل دار .

يعلمنا الفن كما تعلمنا الحياة , بان اللون الاسود مثله مثل اي لون اخر يتحسسه الانسان لايحمل بحد ذاته اية ميزة خاصة به , فهو ظاهرة طبيعية لااكثر ولا اقل , وبان لكل عصر وزمان ومكان شياطينه وملائكته القادرين على ترميز الظواهر لخدمة الافكار حسب حاجتهم , وان العالم يتغير والزمن يتبدل , وعلينا التغير والتبدل معه وعلى منواله , رغم علمنا بانه ليس من السهولة على الناس القبول بالتغيير , حيث غالبا مايحدث التغيير عند الشعوب نتيجة الازمات الكبرى , او الانقطاع بالمواصلة , وقد حدث ذلك على مر العصور ويحدث ذلك امامنا الان ايضا , والناس قدامى التفكير تقاوم دون كلل , وتسبب مقاومتها لتيار الحياة النابض الويلات للاجيال الصاعدة , فالناس تدافع عن معتقداتها وخرافاتها واوهامها بالضبط كما تدافع عن منازلها واملاكها المادية اذا ما تعرضت للسرقة او الاعتداء والنهب , وهذه ناحية نفسية / سيكلوجية معروفة لانسان القرن التاسع عشر كما هي معروفة لنا الان ولكن الفارق مع بلادنا وما يجري بها هو ان هؤلاء بقايا المنقرضات في عراق اليوم , يملكون اسلحة حديثة للدفاع عن افكار ومعتقدات محتضرة , فبالاضافة الى الاسلحة النارية الحديثة المختلفة فهم يسيطرون على مرافق الدولة وكل وسائل الاعلام تقريبا , من اذاعية وتلفزيونية وصحف ومجلات ولا يقدمون اية حلول للانسان العراقي المعاصر للشفاء من اي مرض يعاني منه لافي حياته الروحية ولا المادية , ويرفضون بشدة القيام باي تحسين للظروف المعيشية للناس ويتشبثون بالقذارة الروحية للبشر وقذارة المدن والمعمار والمحيط , لانهم يعلمون بان اندماج العراقيين بحركة التغير الاجتماعي والثقافي والتكنلوجي العالمية السريعة , يعني ان الكثير من هذه الاعراف والمثل المريضة ستزول او سيضعها مجتمعنا على سكة الزوال ليولد من جديد من رحم سوادهم المظلم  .

نشر المقال لاول مرة في 27- حزيران - 2010