عربي
الرئيسية Home سيرة ذاتية مقالات يوميات الحرب تاريخ اللون

موقع الفنان ساطع هاشم

الصفحة العربية


Satta Hashem


اللون الاسود في الديانة والسياسة

ساطع هاشم

منذ ان انتزع الاسلام السياسي المبادرة من القوى اليسارية والديمقراطية في العالم العربي في السبعينات, عمد هؤلاء (المنتصريين) الى اختطاف تراثنا وتشويهه وفبركته في تاويلات فاسدة ومذلة , تحولت على ايديهم عاداتنا وتقاليدنا ورموز الفقراء والبسطاء والناس الشعبيين المتوارثة في فلكلورنا منذ بداية استقرار الانسان في بلداننا , بعد مزجها باكثر الافكار والايديولجيات رجعية وعدوانية , الى اسلحة سياسية فتاكة ورموز عجيبة غريبة ذات مضامين مستوحاة مباشرة من عقائد النازيين الالمان والفاشست الايطاليين , لاعلاء كلمة الجهل والتخلف والامية والحرب على الحضارة والتقدم , ومن بين ابرز هذه الرموز الشعبية التي جرى الاعتداء عليها والاستخفاف بها في الاربعين سنة الماضية خاصة , والتي ترتبط رمزيتها مباشرة بحياة الناس اليومية وتقاليدهم وعاداتهم المتوارثة عبر الزمن في الازياء والاحتفالات والاعياد والاثاث  وباحزانهم والامهم ودموعهم , كان اللون الاسود والعلم الاسود اكثر ضحايا الاسلام السياسي وبطشه تاثرا.

ورغم ان الديانات الابراهيمية الثلاث – اليهودية , النصرانية , الاسلام – من اكثر الاديان والمعتقدات بالتاريخ التي كرهت اللون الاسود وحقرته واحتقرته في تعاليمها , وجعلته لون الشياطين والابالسة والكفار , لون الوسواس الخناس والاعداء والامراض , وكل من ستسود وجوههم يوم القيامة , (وهذا مايعرفه جميع دجالي الاسلام السياسي )الا ان قوة العادات والتقاليد المتوارثة من الاديان السابقة , والممتدة لالاف السنين قبلها , لم تسمح لاي احد القضاء عليه او مسحه من حاجات الناس الروحية والمادية . وهناك اسباب اقتصادية وتكنلوجية اعمق من الحاجات الروحية هذه لامجال للتطرق اليها هنا , قد لعبت دورا في عدم تمكن رجال الدين الابراهيميون من القضاء على رمزية اللون الاسود , هذه الرمزية التي هي اصلا من اختراع وابتكار ماسمي بالديانات الوثنية التي دمرتها اديان التوحيد الثلاث , لهذا فقد تواصلت التقاليد السوداء في هذه الاديان نفسها وصارت جزءا من شعائرها الخاصة , رغم تعارضها الصريح مع نصوصها الدينية (المنزلة) , ولكن تماشيا مع حاجات العامة وتجنب الصراع معها , فقد تبنى الفقهاء النقيضين معا في كوكتيل واحد له العشرات من التاويلات حسب الطلب والحاجة , ولهذا ففي كل منعطف سياسي او اجتماعي مرت به هذه الديانات , فان شعاراتهم واعلامهم ورموزهم وملابس كهنتهم وعموم ازيائهم , لم تخلو من السواد او داكنة الالوان ابدا.

والعلم الاسود تحديدا ومنذ سقوط القسطنطينية 1453 بيد الاتراك , وانهيار الدولة الاسلامية في الاندلس بيد الاسبان وهجرة العرب واليهود منها 1492 , قد ارتبط واينما انتشرت هذه الديانات بالحرب والموت والتطرف والتعصب العرقي والديني , فبعد هذه السنوات , اندلعت في اوربا حركة الاصلاح الديني وحروبها العنيفة ضد سلطة البابا في روما , وقد شنت هذه الحركة حربا شعواء ضد الكاثوليك وكل مظاهر البذخ والاسراف وتزيين الكنائس بالفنون والتماثيل والايقونات والرسوم بكل انواعها , والفساد وسوء استخدام السلطة التي مارستها الكاثوليكية (في سبيل ان يدفع البابا مصاريفه المتزايدة لتحسين وتوسيع المباني والبذخ على المادب والمهرجانات , ابتكر طريقة بيع الاراضي والاملاك في الجنة , وغفران ذنوب كل من يدفع له , سميت سندات البيع هذه بصكوك الغفران ) وقد رفعت البروتستانتية – وهي كلمة من اصل فرنسي او الماني تعني الاعتراض او الاحتجاج - شعارات التقشف والزهد والتقوى ضد الكاثوليكية واتخذت من اللون الاسود والالوان الداكنة رمزا لهذا النوع الجديد من الاعتقاد , وحاربت ومنعت بقية الالوان بين اتباعها وفي دعاياتها , حيث الانسان خلق عاريا في الجنة كما قالوا , وقد البسه الله الملابس بعد طرده منها عقابا له وتذكيرا ابديا بالخطيئة والعار , لذا فان الملابس بالنسبة للبروتستانت هي دائما علامة هذا العار الذي سيحمله الانسان حتى قيام الساعة وعليه فان المؤمن الجيد من يرتدي ابسط الملابس واقلها رونقة واكثرها عتمة , وبالتالي فان الاسود والازرق الداكن والقهوائي وماشابه هي التعبير الرمزي لهذه العقيدة , وقد رفض قادة الاصلاح كل شكل من اشكال الفخامة والبهرجة والالوان البراقة واعتبروها فسادا وانحلالا وانحطاط (كان مارتن لوثر يقول لاتباعه بان الاحمر هو عاهرة بابل , بينما يحتفل الكثير من البروتستانت في كنائسهم حاليا كل عام بعيد الحب – فالنتاين – الذي يرمز له باللون الاحمر ) , ومن اكثر الاختراعات التكنلوجية التي ساعدت البروتستانت والوانهم السوداءعلى النجاح كانت الطباعة بلامنازع . ففي سنة ..1455 تمكن الحرفي والطباع الالماني غوتينبرغ من طبع حوالي مئتين نسخة من الانجيل بواسطة ماكنة كان قد بدا  باختراعها قبل ذلك التاريخ باكثر من عشرة سنين , والاكثر اهمية في ذلك هو تطويره للحبر الطباعي الاسود الذي كان حتى ذلك الحين مادة غير ثابتة وقابلة للتغيير والمسح , لكنه ابتكر طريقة كيميائية تجعله اكثر كثافة وثقل وقادرا على اتمام التفاعل الكيميائي الضروري مع الورق الذي يطبع عليه وذلك باستعمال زيت الكتان وسلفات الحديد او النحاس والاملاح المعدنية كل هذا قد جعل من الحبر الطباعي اكثر ثباتا واستقرارا وجمالا على الورق بالمقارنة مع جميع الاحبار التي استعملت قبله سواءا بالرسم او الحفر على الخشب والنحاس . هذا الاختراع الثوري قد خلق ثورة ثقافية حقيقية في العقدين الاخيرة للقرن الخامس عشر وما تبعها , وكان تاثيره يشبه بهذا الشكل او ذاك تاثير الانترنيت على حياتنا الان , وقد اثرت الطباعة على الذائقة البصرية للانسان ورفعت القيمة المعنوية والرمزية والسيكولوجية للاسود , وقد استعمله الاصلاحيون ببراعة فائقة في نشر اناجيلهم المترجمة وكتبهم ومواعظهم ورسائلهم الى المؤمنين .

وفي نفس تلك السنوات ايضا من اواخر القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر انتشرت عصابات القرصنة بشكل كبير وواسع النطاق في كل البحار المحيطة بالمغرب العربي واسبانيا والبرتغال وقد امتدت لاحقا الى البحر الكاريبي بعد ازدياد عدد الدول الاوربية التي استعمرت امريكا الشمالية والجنوبية وحروبها فيما بينها ونهبها لثروات تلك القارتين , والوالي العثماني خيار الدين –المسمى بارباروسا في الغرب- الذي وحد الجزائر وتونس تحت قيادته في القرن السادس عشر –بعد انهيار الاندلس - وثبت اقدام سلطة الدولة العثمانية في مناطق البحر الابيض المتوسط عامة , من اشهر مؤسسي ومنظمي تلك العصابات هناك , حيث استطاع تمويل حكمه بالكامل من خلال القرصنة واخذ الفدية حتى وفاته سنة 1545 (غزت الجيوش النازية الاتحاد السوفيتي في 22-حزيران -1941 واطلق هتلر على هذا الهجوم اسم – بارباروسا- وكان كلمة السر ايضا ). ومن اشهر اسرى قراصنة الحكم العثماني بالمغرب العربي , الروائي الاسباني العظيم سرفانتس صاحب رواية –الدون كيشوت الشهيرة – حيث اسره القراصنة الجزائريون مع اخيه لمدة خمسة سنوات ولم يطلق سراحهم الا بعد فدية كبيرة . وكان علم القراصنة هؤلاء على طول هذه الفترة والى ان احتلت فرنسا الشمال الافريقي سنة 1830 علما اسود , وغالبا ما تتوسطه رموز ودلالات لادوات واسلحة جارحة ثم اضافوا جمجمة وعظمين متقاطعة عندما توسعوا الى الكاريبي , وباعوا  خدماتهم الى الدول الاوربية المتصارعة على القارتين , ثم اشتغلوا غرب افريقيا فيما بعد بتجارة العبيد تحت لواء وعلم اسود.  

ومنذ منتصف القرن التاسع عشرعندما انطلقت مايطلق عليه مؤرخي الاقتصاد تسمية – الثورة الصناعية الثانية - وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية , عاشت اوربا الى جانب حروبها وماسيها الهائلة حرب الوان حقيقية , عكست مصالح وطموحات المتصارعين على مختلف انتماتهم وايديولوجياتهم واشكالهم , وكان اللون الاسود احدى تلك الجبهات الساخنة دائما , فقد اقترن الان برمزية العصر الصناعي الجديد وعماله وطبقاته المختلفة , حيث امتلات المدن بالمصانع والمعامل , بالاغنياء والفقراء والمعدمين , والحضارة التي تعتمد الفحم والدخان الاسود في حياتها كلها وفي كل مكان , فقد اصبح رمزا للوسخ الصناعي والتلوث , ومع اللون الازرق الداكن اصبح رمزا للعمال وازيائهم واحيائهم الفقيرة ووجوههم المصبوغة بسواد الفحم والالات , وشاع مصطلح الياقات الزرقاء والبيضاء كثيرا . اما في عالم الصناعة والتجارة والمال (الياقات البيضاء) فقد كان الاسود علامة اخلاقية تم وراثتها من التقاليد الدينية البروتستانتية في القرن السادس عشر وتم ترويجها الان عبر الانتاج الواسع للسلع الاستهلاكية على الناس , حيث كانت شركات الانتاج العملاقة والكارتلات والمراكز المالية العالمية الكبرى في انكلترا والمانيا والولايات المتحدة وفي بقاع اخرى من العالم , في قبضة عوائل بروتستانتية متشددة (راجع ماكس فيبر – الاخلاق البروتستانتية وروح الراسمالية – بالانكليزية / طبعة روتلج كلاسيك 2001) حيث فرض هؤلاء قيمهم الدينية وسلطانهم على العالم لعقود طويلة من الزمن , فقد كان على البضائع والحاجات اليومية المصنعة ان تتلائم مع الاعتبارات الاجتماعية والاخلاقية التي يشرعنها رجال الدين واصحاب الكنائس التابعة لهم , وبسبب هذه العقائد فان عموم السلع التي انتجت في اوربا والولايات المتحدة وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى والفترة بين الحربين , كانت بالوان سوداء او رمادية او قهوائية داكنة اوبيضاء مثل الاجهزة المنزلية والتلفونات والات الطباعة والكاميرات والاقلام والسيارات وغيرها , وليس سبب ذلك عجزا او عدم تطور في الصناعات الكيميائية للاصباغ , فقد كان بامكان مصانع انتاج الاصباغ ان تنتج الاف الانواع وبمختلف الالوان منذ الربع الاخير للقرن التاسع عشر وبعده ولكن بسبب الروح الدينية وهيمنتها على العقول ( لم يسمح البروتستانتي هنري فورد مؤسس اشهر شركة لانتاج السيارات وحتى وفاته 1947 من انتاج سيارات فورد بغير اللون الاسود , رغم العروض  المغرية التي كانت تقدم له من شركات ومختبرات تصنيع الالوان) , وعلى الضد من هذه السياسة السوداء , وقف الكثير من الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين الاخرين في اعمالهم الابداعية وسلوكهم اليومي بالمرصاد لمحاربة هذا المد التعسفي , فقد رفض غالبية الفنانين الانطباعيين مثلا اللون الاسود في اعمالهم , ولم يعتبروه لونا اصلا لانه غير موجود بالضوء , بينما اعتبرت بعض حركات التجديد الاخرى في الادب والفن , الثياب السوداء التي كانت الزي الموحد لاصحاب السلطة والجاه مثل القضاة والمحامين ورجال الشرطة واصحاب الملايين وماشابه , رمزا مزعجا وحقيرا وتمثل الاضطهاد والسلطة الغاشمة والاوهام والخرافات البالية التي سحقتها ثورة العلوم والحداثة .

وقد اتخذ العدميون من الاسود لونا وشعارا لهم , واخذ الفوضويون في اوربا ومنذ سنة 1880 بعد انفصالهم عن الحركات الاشتراكية علم القراصنة الاسود شعارا لهم ايضا , واستبدلوا الجمجمة والعظام بدائرة يتوسطها حرف (اي) الانكليزي لانهم اعتبروا مجرمي البحار هؤلاء فوضويون بالفطرة , او كما تقول دعاياتهم فوضويون دون ان يعلموا , وهذه النظرة الرومانسية للقراصنة اخذوها من ادب الرحلات ومذكرات البحاريين التي انتشرت في اوربا خلال القرن السابع عشر والثامن عشر (روبنسن كروزو , وجلفرت – كامثلة ) . ثم تبنى الفاشست الايطاليين العلم الاسود منذ نهاية الحرب العالمية الاولى , وارتدوا القمصان السوداء التي اشتهروا بها في كل اوربا , ومنهم تعلم النازيون وضع اشرطة سوداء على اذرعهم , حيث خصصت هذه العلامة لمجرميهم الاشداء او مايمكن ان نطلق عليه – الجهاز الصدامي او القتالي – الذين كانوا يرتدون ملابس قهوائية , وانتشرت هذه الرموز والازياء الى كل المتطرفين بالعالم منذ نهاية القرن التاسع عشر , وقد بلغت ذروتها في عصرنا الحالي عند الاسلام السياسي بكل اجنحته وعصاباته ومجرميه حول العالم , فالعلم الاسود الان رمزا لهم بعد ان استبدلوا شعارات النازيين والفاشست (والقراصنة قبلهم ) مثل الصليب المعقوف وماشابه بكتابات وكلمات قرانية بدل منها , والالوان السوداء حاليا هي ماركتهم ورمز عبادتهم وتفسيراتهم العدوانية والفاسدة للاديان , والوان ازيائهم واقنعتهم التي يفرضونها على اتباعهم , ويجبرون الناس اينما وجدوا على ارتدائها وخصوصا النساء بحجة انها تقاليد اسلامية وعبادات دينية .

لقد فقد الاسود ميزاته الايجابية ورمزيته الخيرة منذ ظهور تلك الديانات الابراهيمية , واصبح بسببها يقترن معناه بالسلبية والصفات السيئة , وهذا التبدل الاخلاقي الذي جائت به انعكس بالسلب ايضا على الرموز الحيوانية والنباتية والبشرية السوداء او داكنة اللون التي استعملها الانسان قديما للتعبير عن معاناة انسانية منذ الاف السنين السابقة للميلاد , مثل الغربان والدببة والبوم وغيرها الكثير , التي قدمتها الديانات التوحيدية في نصوصها على كونها كائنات مسكونة بالشر وعدو للانسان والمؤمنين , ونسج الفقهاء على اساس هذه التصورات الاف الخرافات والمعجزات والحيل , وتحت تلك الضربات الموجعة للون الاسود من قبل هذه الديانات حلت رموز , الطاعون الاسود , الموت الاسود , القلوب السوداء , الخراب الاسود ....ومع مرور الزمن اصبح رمزا عالميا للبؤس والشقاء والماتم وكل ماله علاقة بالجوانب الكريهة والسيئة في حياة البشر ممثلة بتلك الحيوانات والحشرات السوداء البريئة المذكورة , وهي مستمرة الى الان ولو بدرجة رمزية اقل نظرا لتبدل افكار الناس وابتعادهم عن الرمزية الدينية وانتقال الانسان من الزراعة كأساس اقتصادي الى الصناعة والتكنلوجيا , ومن الاديان الى الايديولوجيا ثم التفكير الذاتي المستقل ونظريات العلم والمعرفة الحديثة , واستبدال الرمزية الدينية الخيالية , برمزية حياتية وعملية مرتبطة بوسائل التصنيع والعيش وادوات العمل , وكنتيجة منطقية لهذا التطور يعيش اللون الاسود ومنذ عقود من الزمن في اوربا عامة عصر يقظة جديدة ردت له جزء من الاعتبار الذي فقده خلال السنوات الالفين الاخيرة , فهو الان رمزا جماليا وعمليا اكثر مما هو معنى دينيا لفكرة الخراب والموت , فهو مثلا دليل الاناقة والانسجام والكياسة وهو مصدر الهام وتوافق وتوازن لبقية الالوان في الاعمال الفنية وابتكارات الازياء وتصاميم الاقمشة والملابس , بل ان النساء المولعات بالجمال في المجتمعات المتقدمة يفضلن الاسود لما له من بهاء ودور في ابراز الشخصية , وعلى العكس من دولنا الشرقية العتيدة حيث  مازال اللون الاسود بشكل عام على حاله السئ بل زاد سوءا , فهو اليوم يؤدي دورا سياسيا رجعيا يذكّر المجتمع دائما بالتخلف والسلفية والعبودية واجبار الناس على الامتثال لاوامر الفقهاء والدجالين وخطباء الجوامع بالسير نحو الوراء , وليس لهذه المضامين القهرية الحالية المبتذلة للاسود في الشرق علاقة  بمضامين دينية تعبدية صادقة كما في تراث الاجداد البعيدين , بل كلها حيل سياسية دنيئة مستقاة من تكنيك وحرباء النازيين والفاشست , لاستغفال واستغلال العامة والبسطاء المسحوقيين وجرهم نحو الخراب والدمار الشامل .

فاذا نظرنا الى الامر من زاوية تاريخية محلية بحتة بل وايضا من زاوية بايولوجية , سنجد بان العرب اخذوا الكثير من رمزيتهم اللونية من عقائد العراقيين القدامى السابقة للديانات الابراهيمية بالدرجة الاولى (وبشكل اقل من قدماء المصريين) , واخذ بها الاسلام مجبرا او مخيرا , وتم تعميمها فيما بعد عالميا , فقد اتخذت الدولة الاموية ومقرها الشام من اللون الابيض علما لها باعتباره لون النبي المفضل لانه رمزا للنور السماوي (اخذ الاسلام هذا المعنى من اليهودية والنصرانية) , واخذ العباسيون ومقرهم بغداد من الاسود علما لهم وهذا على الاغلب بتأثير من عقائد وعادات العراقيين ( وربما في تلك الفترة نشأت الخرافة التي تقول بأن البدو هم الذين اطلقوا على العراق صفة بلد السواد لكثرة الزرع والشجر وظلالها , تهربا من الحقيقة في ان هذا الوصف قديم جدا قدم العراق نفسه , وهو يخص وصف الديانات العراقية القديمة السابقة للاسلام التي اعتبرت اللون الاسود رمزا للخلود وللالهة التي قدسوها- راجع مقالنا اللون الاخضر والاسود وشجرة ادم في البصرة ), اما الفاطميون فاخذوا الاخضر لانه لون النبي الخضر كما ورد اسمه بالقران وايضا من عادات العراقيين كما اسلفنا , ولايزال استعمال الخوارج للاحمر غامضا (على الاقل بالنسبة لي) , وفيما بعد اعلام دول الخليج الحمراء حتى بداية القرن العشرين . ولم يحظى الازرق باهمية رمزية مؤثرة عند العرب بل ان البدو يتشائمون منه , ورغم هذا فقبب الجوامع غالبا ماتكسى بالازرق والاخضر المزرق (اللون الفيروزي) خاصة في الشرق الاوسط القريبة على ايران , وربما بسبب توفر مواده الخام عندهم , وفي درجة اخرى بسبب تقديس بابل ومن بعدهم الفرس له قديما واعتبارهم اياه رمزا للتفاؤل والحظ السعيد ( خلال الحرب العراقية الايرانية 1980-1988 كان الجنود الايرانيون يزودون من قبل الملالي بمفاتيح تعلق حول رقابهم مصبوغة بالازرق والابيض والاحمر واحيانا بالاخضر المزرق وحده , لتسهيل دخولهم الجنة وزيادة حظوظهم بعد الموت) . وقد استعمل البدو ومنذ الاف السنين الالوان السوداء او الداكنة عموما في حياتهم لسبب بايولوجي ووظيفي بحت , لانهم اكتشفوا من خلال الممارسة , القوة العازلة لهذا النوع في حفاظها على درجات الحرارة الثابتة للجسم , فارتداء النساء مثلا للملابس من طبقات متعددة للاقمشة السوداء او الداكنة , يجعل وجود فراغات هوائية باردة بين تلك الطيات المختلفة تقوم بعملية التبريد الدائمة للجسم وايقائه من وهج الحرارة , لان اللون الاسود في بعض انواع النسيج يمتص اشعة الشمس بمقدار ثابت لايزيد عندما يتشبع , وفي الشتاء يحتفظ بالحرارة لفترات طويلة , وايضا يرتدي البدو نساءا ورجالا الحجاب ويكحلون عيونهم لان ذلك يساعدهم على الوقاية من الرمال واشعة الشمس بالضبط كما نستعمل في زماننا العوينات الشمسية , هذه هي الاسباب في تفضيلهم الالوان السوداء على غيرها وليس لذلك علاقة بالعفة ومكارم الاخلاق والتدين كما يدعي هراطقة الاسلام السياسي ومنافقيه .

وفي عالم عراقي فاسد , يحكمه حملة الرايات السوداء وعبدته , الذين لايفهمون غير سرقة المال العام وامتصاص دماء الفقراء , وكما تفعل حشرة المن بروث الحمير , وهم يرفعون رموزا ومعاني وسلوكيات مستقاة من النازيين والفاشست , واللصوص والقتلة والمجرمين والمتخلفين , , وينشرون الرذائل والماسي بدون رادع , ويقيمون المهرجانات الدينية المفتعلة والاغتيالات , وينظمون اشباح الموت وقتل مابقي من انسانية في العراق , بعدما سدوا كل الطرق على النجباء والمفكرين والمبدعين العراقيين لتحقيق اعادة بناء الذات والكرامة والضمير الانساني المحطم , في وضع كهذا تتعقد الوظيفة الثقافية والفكرية والفنية ورسالتها الانسانية بالحياة , ومن المؤسف والمحزن ان تنتهي بلادنا هذه النهاية المأساوية بعدما كان املنا فيها ان تكون منارة لانارة الدروب نحو الخير والانسانية وفي طليعة دول المنطقة كما كانت وقتا ما , بدل ان تنتهي جهود الاجيال المتعلمة والمثقفة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة والى وقت قريب , الى رماد تذويه عاصفة التخلف والمد الرجعي البغيض , في زمن كهذا تصبح المشاركة السياسية لبث الوعي ومحاربة وفضح الطغاة الجدد ومخازيهم في قتلهم المبرمج للوعي البشري , بحد ذاتها يقظة سامية للعقل والفكر الحر , وردة فعل على الهزائم المتوالية لهذا الشعب المغدور , وشكل من اشكال الجمال الروحي للنفس البشرية في العراق والوانها البهيجة , حيث تبدا الثورات كما يقول -علم الاجتماع المعاصر- بالوعي بوجود الطغيان اولا , بالاحساس بوجود العوارض والكوارث والاضطهاد , وبدون ان يشعر الانسان ويعي بذلك , فلن يقوم التغيير ولن تبدا الثورة . وليس المقصود هنا بالضرورة , الثورات العنيفة والدموية , فهذه اخر اشكال مراحل الثورات , انما المقصود اكثر هو ثورة الوعي , والانتفاضة على عقول قد سأم الناس من وجودها بيننا , تتحكم في ميراثنا وازماتنا وتستغل ضعفنا بلا هوادة , وتقيم لجرائمها طقوس الشعوذة واراقة الدماء في ليل مظلم وطويل وتحت سماء من رايات سوداء .  

نشر المقال للمرة الاولى في 13- ديسمبر/كانون الاول - 2010