عربي
الرئيسية Home سيرة ذاتية مقالات يوميات الحرب تاريخ اللون

موقع الفنان ساطع هاشم

الصفحة العربية


Satta Hashem

تاريخ اللون


ساطع هاشم


ظهرت في القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية تحديدا , واحدة من الاختصاصات الجديدة والهامة في علوم المعرفة , وهي دراسة ظاهرة اللون وتاريخه في حياة الانسان المعاصر بشكل مستقل عن بقية الظواهر , وذلك لتمّيزها الواضح وتاثيرها الاجتماعي وتغلغلها في ادق تفاصيل الحياة اليومية للناس , وذلك بفضل التقدم الهائل الذي حصل في تكنلوجيا صناعة الاصباغ والطباعة الملونة والتصوير السينمائي والفوتوغرافي وشيوع اجهزة التلفزيون الملون والكمبيوتر وغيرها الكثير , وثورة الديجيتال الحالية التي تستعمل الالوان في تركيبها وعملها كشئ اساسي  , وشهدت السنوات الثلاثين الاخيرة تقدما كبيرا في هذا المجال وصدرت عشرات الكتب ومئات المقالات في تاريخ العلم وتاريخ الفن خصصت لموضوع الالوان وحدها , الذي اصبح الان مجالا ساخنا في النقاشات الفكرية في العلم والتكنلوجيا والفن على حد سواء , حيث لم يعالج المؤرخون سابقا ظاهرة اللون وذلك لعدم قناعتهم بانها ظاهرة خاصة او منفصلة عن باقي الظواهر الاجتماعية والفكرية.

وتعالج الان هذه الظاهرة على نطاق عالمي واسع ولم تصل بعد الى ثقافتنا الوطنية ونقاشاتنا الفكرية (وقد تضيع علينا مثلما ضاعت غيرها من الافكار وهدر الطاقات والموارد الفكرية ) في الجامعات ومعاهد العلم حول العالم في بحوث متنوعة الغايات والاهداف في دراسة الالوان من زوايا عديدة , منها مايخص العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والاركيلوجي والجيولوجيا والتاريخ الطبيعي والطب وعلم البصريات وغيرها ومنها العلوم الانسانية كالفن واالتاريخ والادب وعلم النفس ومنها مايخص العلوم التطبيقية مثل صناعة الاصباغ والتجارة والزراعة , او الدراسات العامة للعادات والتقاليد والاديان والسحر والتنجيم والخرافات والرموز وهلم جرا

وبالتزامن مع هذه التطورات العاصفة فقد تطورت العادات الفكرية اللونية لابناء العصر الحديث بشكل يخالف مسارها القديم في ثقافات الشعوب , وذلك بسبب مااحدثته من تأثير عملي اكتشافات ونظريات نيوتن قبل اكثر من ثلاثة قرون في خواص الضوء والالوان وفيما بعده نظريات الالوان الاساسية والثانوية للقرن التاسع عشر والمفاهيم الاخرى الملحقة بها مثل الالوان الحارة والباردة وقوانين التضاد المتزامن والعديد من اكتشافات اخرى لعدد لايحصى من العلماء والفنانين , وما احدثته عمليا التأثيرات الفسيلوجية والنفسية للاجهزة الكهربائية والاضواء الصناعية الجديدة على انسان العصر الصناعي المتقدم في كافة دول العالم , فاصبح ادراك وفهم الانسان للالوان يختلف تماما عن ادراك وفهم انسان ماقبل الثورة الصناعية والعلمية له , ويشمل هذا التغيير ادراك وفهم حتى اؤلئك الذين يعيشون في اشد المجتمعات تخلفا وبعدا عن مراكز العلوم والتكنلوجيا والمدن الحديثة , فبعد ان كانت الالوان بالنسبة للاقدمين وسائل فكرية لترميز الغاز الحياة وظواهرها المربكة للبحث عن صورة لما هو جوهري والهي وسحري في هذه الحياة , فقد اصبحت في عصرنا امواج وذبذبات ضوئية وطاقة مشعة تربطنا بابعد نجوم الكون عن كوكبنا , وهي الوسيلة الفعالة بيد الانسان الحديث لمعرفة وكشف الغاز هذا الوجود اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر المحيط بنا .

ولهذا فان جميع هذه المواضيع لن تثير بمجملها اهتمام كل واحد يعيش في هذا العصر , لكن كل واحد منا سيجد في بعضٍ منها ماهو مهم اليه كفرد مستقل , وماهو شيق وجدير بالانتباه وربما ضروري حتى للبقاء , وتأتي هذه القدرة للالوان على التأثير والتشويق بدرجة اساسية من الوظيفة البايالوجية للجهاز البصري عند الإنسان بأعتبار العين اقوى الاجهزة الحسية على الاطلاق واكثرها فاعلية

وعليه فعندما نتحدث عن الالوان وأهميتها في حياة البشر فنحن نتحدث ضمنا عن هذا التركيب البايولوجي للجسد الإنساني ، وبالتالي فمن المستحيل فصل الوظيفة البايلوجية عن الوظيفة الجمالية او الفكرية أو الثقافية لانها متلازمة قطعا , يعني ان هذه الالوان ليست قيم شكلية مجردة وضعت للزينة او لابهار العامة (رغم انها تتضمن هذه الغايات ) , بل لان لها وظيفة عملية كواسطة اتصال ودعاية ونقل الافكار.

وظاهرة الالوان وتأثيرها على الانسان عادية ومألوفة جدا في حياتنا وبطيئة التأثير علينا لانها جزءا من الروتين اليومي لسلوكنا الذي نشأ في ايام الطفولة , ولانها ايضا سلوك اجتماعي وسيكولوجي وعادات وتقاليد.

وجود الالوان في الطبيعة شئ مستقل عن الوعي الانساني بالجمال , وموضوع منفصل عن تأثيرها علينا كمرشد بايالوجي , وليس له علاقة بالجمال والعلاقات الاجتماعية وماشابه من الاشياء التي تخص الوعي البشري , فهو اي وجود الالوان يرتبط بمشكلة صراع الانواع في سبيل البقاء واي الانواع سيأكل الوليمة ومن سيكون الوليمة نفسها , وهذا يعني ان احساس الانسان بالالوان شئ ذاتي لانه متعلق بتركيبة جهاز البصر وبادراك الدماغ لها , اما في الطبيعة فهو وجود موضوعي خارج عن ارادة البشر , ومرة قال العالم الامريكي الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1962 ريتشارد فينمان 1918-1988 : (الواقع أن وجود الألوان في الزهور قد تطور في سبيل أن تستطيع جذب الحشرات إليها لإتمام عملية التلقيح عبر نقله من زهرة إلى أخرى ، وهذا يعني أن الحشرات تستطيع رؤية الألوان ، وهذه الحقيقة تطرح سؤالا : هل الشعور الجمالي مقتصر علينا وحدنا أم انه موجود في أشكال الحياة الدنيا أيضاً ؟ وهذه الأسئلة التي تضيفها المعارف العلمية تزيد من الغموض والدهشة والسحر للاشياء ، أنها تزيدها فقط)

فهنالك مثلا بعض الحيوانات والحشرات التي تستعمل الوانها لاخفاء نفسها عن الحشرات والحيوانات الاقوى منها , وربما لابراز جمالها ورونقها للجنس المقابل قبل عملية الاخصاب والتكاثر , رغم هذا فعلينا التذكر دائما بان اللون في الطبيعة وعند بقية الانواع نقصد بقية انواع الكائنات الحية غير الانسان فهو لمساعدتها على البقاء اولا وقبل كل شئ وليس قيمة جمالية او تزينية كما في الحياة الواعية والمتحضرة للنوع الانساني , ومازالت الدراسات في هذا الموضوع قائمة ولم تنتهي , وربما شعرنا بالضجر من المعلومات العلمية اذا ماقدمنا المزيد منها هنا , لكنها أشياء ضرورية لابد منها تدخل ودخلت عالمنا الداخلي الإنساني بكل طاقاته .

يستخدم الوعي البشري اللغة كوسيلة اتصال وحياة وبقاء في محيطه الاجتماعي والطبيعي , ويكاد ان يكون من المستحيل على كائن من كان وصف الالوان التي يراها ويشعر بها لغويا , لانها احاسيس خاصة متعلقة بالفرد ودرجة احساسه وتأثره , مثل الاحساس بالحرارة مثلا , فهذه لايمكن ان توصف بكلمات لانها يجب ان تعاش كتجربة , حتى يمكن تقدير تأثيرها , وعليه فاقصى مايمكن لنا القيام به هو اللجوء الى المقارنة والتشبيه المجازي , كما في قولنا احمر مثل حبات الرمان او اصفر مثل الليمون , وهذا سيعتمد في غزارته اللغوية وقربه من ( نقل ) الاحساس الى الاخرين على خيال الفرد – الراوي - والتصور والقدرة على وصف الاحداث , وهنا تأتي اهمية المشاعر والثقافة والشخصية والاطلاع والكثير من العوامل النفسية والتربية الفكرية والاجتماعية الاخرى .

وجميع لغات العالم تستعمل كلمات محددة للالوان ومحدودة باحدى عشر مصطلح اساسيا فقط كحد اقصى , وربما سيندهش القارئ لهذا , فلاتوجد غير لغات قليلة جدا تمتلك اكثر من هذا العدد الاساسي والعربية ليست من ضمنها , لكن جميع اللغات تمتلك العشرات من الكلمات الفرعية الاخرى لاعطاء الاشياء اسماء الوان محددة , وهذه الاسماء الاساسية او الفرعية لاتصف اللون , بل هي اسماء الوان فقط , يعني مثل اسماء الاشخاص اوالحيوانات او الاشياء , فاسم الشخص الفلاني او العلاني لايعني وصفا له , وهذا بالضبط مع الالوان ايضا.

بمعنى ان هناك شئ فيزيائي مادي خارجي نؤثر ونتأثر به , وشئ اجتماعي عام متفق عليه نصغي له, وشئ حسي او روحاني او احاسيس مجردة تداعب فكرنا , فهنالك بعض الالون ذات دلالة خاصة او مميزة عند هذا الفرد او ذاك قد تثير ذكريات او هواجس او مشاعر مبهمة حزينة او مفرحة رغم ان جميع الوان الطبيعة هي الوانا مفضلة كلها عند العقل الانساني , والا ماذا يعني قولنا احمر او اصفر , بالواقع لاشئ غير انه دلالة على اسم نفهم من خلاله اين نذهب او كيف نتعامل , وهذا ما ينبغي ان نضعه في بالنا ونحن نعالج او نعيش المعنى الرمزي للالوان في حياتنا اليومية فهي احاسيس فردية تثير خيالنا , وهي رموز اجتماعية عامة تم الاتفاق على معانيها وشفراتها في زمن وعالم قديم سبق ميلادنا ووجودنا كافراد , وهي موجات وذبذبات كهرومغناطيسية نستدل بواسطتها على ما يحيط بنا وعلى اسرار العالم والكون اللامتناهي في الكبر.